التخطي إلى المحتوى
توبة سيدنا آدم عليه السلام

يَتَسَاءَلُ الكَثِيرُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَنْ توبة سيدنا آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ، فإذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ التَّفَاصِيل، تَابِعْ هَذَا المَقَال

كيف كانت توبة سيدنا آدم عليه السلام؟

نعلمُ جميعًا أنَّ اللهَ خلق الأرضَ وهيَّأ فيها وسائلَ العيش، وأراد أن يجعلَ فيها أناسًا يسكنُوها ويعمرُوها، فخلق آدمَ -عليه السلام- وأعدَّه ليكون صالحًا للإقامة على الأرض، وعلَّمه أسماء كلِّ ما في عالم الأرض. وذلك لأنَّ اللهَ -عز وجل- قد قدَّر له أنه سيعيش في الأرض.

أمرَ اللهُ الملائكةَ بعد ذلك بالسجود لآدمَ تكريمًا له، فسجد الملائكة كلُّهم أجمعون إلا إبليس أَبَى أن يكون مع الساجدين. فسأله الله قائلًا: يا إبليسُ ما لك ألا تكون مع الساجدين؟ فردَّ عليه إبليسُ في كبر: يا ربِّ لم أكن لأسجد لبشرٍ أنا خيرٌ منه، خلقتَني من نارٍ وخلقتَه من طينٍ. فلعنه الله (طرده من رحمته)، ثم جعله من المُنظَرين إلى يوم الوقت المعلوم. وأسكن اللهُ آدمَ -عليه السَّلام- في دار ضيافته “الجنة”، ثم خلق حوَّاء ليسكنَ إليها ويأنسَ بوجودِها، فارتاح لها، وسارا معًا في الجنة ينعمان بطمأنينةِ النفس وراحةِ البال.

كان هناك شجرة جميلة في الجنة أحبَّها آدمُ، وأراد أن يأكلَ منها. فأمرهما اللهُ أن يأكلا من الجنةِ كلِّها، على ألَّا يقربا هذه الشجرة، فاستجابا لأمرِ ربِّهما. ولكنَّ إبليسَ كان واقفًا لهما بالمرصاد، فدخل الجنَّة وراح يوسوس لآدم، ليقنعه أن هذه الشجرةَ هي شجرةُ الخلدِ والملكِ الدائمِ. وأقسم إبليس لهما بالله على أنَّه لهما من الناصحين، وذلك ليخدَعهم. وهنا جاء الحدثُ الأكبرُ في حياة آدم، فقد صدَّق آدمُ وحواءُ إبليسَ اللعينَ، ونسيا كلامَ الله. وهو ما جعلهما يأكلا منها وتبدو لهما عورتاهما، فأخذا يقطفان من ورق الشجر ليسترا به عورتاهما.

ندم وتوبة سيدنا آدم عليه السلام

استكمالًا لموضوع توبة سيدنا آدم عليه السلام.

وهنا جلسَ آدمُ يبكي ندمًا وأسفًا، وحواءُ بالقرب منه تستر جسمَها وتبكي لوعةً وحسرةً، وزادهما البكاءُ شقاءً. فنهض آدمُ وأخذ يجري في الجنة من مكان إلى مكان بائسًا حزينًا، وهو يسمع النداءَ الإلهيَّ يترددُ في أرجاء الجنة رهيبًا مدويًا: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة؟ وأقل لكما إن الشيطانَ لكما عدوٌ مبينٌ؟ وهذا النداء لا يُمكنُ حصرُهُ في آدمَ وزوجِه، بل إن القصةَ عبرةٌ وعظةٌ لنا، لنستخلصَ منها ما يناسبُ واقعنَا امتثالًا. فقد قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ﴾. لذا فكلٌّ مِنَّا يجب أن يمتثلَ بمثل هذه القصص ليكونَ مؤمنًا حقيقيًّا غيرَ موالي للشيطان، فقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

ظلَّ آدمُ يجري ويجري، ويتعلق شعرُه بأوراق الشجر، ويصطدم بالأغصان متعبًا، يسمع نداءً من الله: أفِرارًا مني يا آدم؟ فيقف آدمُ لاهثًا، ويقول لربِّه في خجلٍ: بل حياءٌ منك يا رب. وما كان من آدم وزوجه إلَّا أن يرفعا أكُفَّ الضراعةِ إلى مولاهم ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي لنكونن ممن أضاعوا حظَّهم في دنياهم وأخراهم. فدعونا نسألُ أنفسَنا، لنمتثلَ بالقصة فيما يحدث في حياتنا. هل تجرَّأ آدمُ وقال لربه: لقد أطعتُك سنينًا عديدةً، أفمن أجل الأكل من الشجرة -كمعصية واحدة- تخرجني من الجنة، وتهبطني إلى الأرض؟ كلَّا! بل ندم على فعلتِه، وأناب إلى خالقِه، ولم يستصغر معصيتَه كما نفعل في زمننا هذا، وكان ذلك سببًا في قبولِ توبتِهِ. ومنه نتعلم عدم الاستهوان بالمعصية الصغيرة، فقد تكون سببًا في دخولك الجنَّة، أو خروجِك منها، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَّهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾.

ما هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه؟

نتيجةُ توبة سيدنا آدم -عليه السلام- وزوجه، أن عفا الله -سبحانه وتعالى- عنهما ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. ولكنه -سبحانه وتعالى- لم يبقهما في الجنَّة، وأنزلهم جميعًا إلى الأرض (آدم، وحواء، وإبليس، والحَيَّة كما قال البعض)، وكان ذلك يوم الجمعة. وجاء النداءُ الإلهيُّ حاسمًا: اهبطُوا منها جميعًا ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ أي لكم فيها مكان للاستقرار ومتاع. فتمتعوا فيها إلى يومِ القيامة وانقطاعِ الدنيا، فإن لكم أعمارًا قد جرى بها القلمُ وأحصاها القدرُ. فمهما كان غَنَاؤكم في الدنيا، وهَناؤكم فيها، فكُله إلى حينٍ مقدرٍ. ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ أي فيها محياكم وفيها مماتُكم وقبورُكُم، ومنها نشورُكُم ليوم القيامة الذي يجمع الله فيه الأوَّلين والآخرين، ويجازي كلًا بعملِه. وأول ما فعل آدمُ بعد النزولِ إلى الأرضِ هو الطوافُ بالبيت، ثم الصلاة ركعتين. وتوجه إلى الله بقلبه قائلًا: اللهم إنك تعلم سرِّي وعلانيتي فَتُبْ عليَّ واغفرْ لي خطيئَتي.

والآن، قد وصلنا إلى نهاية هذا المقال، والذي تحدثنا فيه بشيءٍ من التفصيل عن توبة سيدنا آدم عليه السلام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *