التخطي إلى المحتوى
تيران وصنافير ..لماذا الان ؟
تيران وصنافير

على ما يبدو، لا تسير الأمور في ساحة السياسة الدولية عبثًا، ففي الوقت الذي انشغل فيه الجميع بإجابة سؤال: كيف تتخلى مصر طواعية وبسهولة تامة عن جزء خطير وإستراتيجي من حدودها؟ وهو السؤال الذي يبدو بديهيًّا ومفهومًا في سياقه، إلا أنه، وفي هذا الوقت، يبدو على مرأى منّا سؤالٌ أكثر أهمية: لماذا تتخلى مصر الآن؟ وهو السؤال الذي يمكن صياغته بشكل أكثر دقة: لماذا طالبت السعودية بجزيرتي تيران وصنافير في هذا التوقيت تحديدًا؟

وهو ما سنحاول شرحه فى نقاط محددة :

1- الوضع الأمني في شبه الجزيرة المصرية يتدهور وبشدة، ويبدو باستمرار،وحتى اليوم أن تنظيم ولاية سيناء (بيت المقدس سابقًا)، التابع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مستمر في تحدي الجيش المصري، وضرب قبضة السلطات الأمنية على المحافظة المصرية.

وقد صرح مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى، لوكالة أسوشيتد برس، بأن الإدارة الأمريكية حاليًا تراجع موقف قوات حفظ السلام الدولية في سيناء، والبالغ عددها قرابة 1750 جنديًا ومراقبًا، وأن هذه المراجعة ستفضي في النهاية، بحسب مسؤول مطلع على دائرة صنع القرار، لخيارين سياسيين، إما قرار أمريكي بزيادة تأمين وعتاد القوات في سيناء، وإما سحبها وإرجاعها للأراضي الأمريكية، ما يعنيه هذا من إنهاء إكلينيكي لمراقبة دولية دامت أكثر من 30 عامًا، منذ بدء تنفيذ اتفاقية كامب ديفيد في أوائل الثمانينيات. مراقبة تقع القوات الأمريكية في القلب منها.
على مدار الشهور الثلاثة الأولى من عامنا الجاري، اتضح تمامًا أن الولايات المتحدة تتجه لرفع يديها بالتدريج عن سيناء، والاتجاه إلى الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة (كاميرات مراقبة وطائرات بدون طيار)، في مراقبة الحدود، حفاظًا على العامل البشري الأمريكي، في مواجهة ارتفاع مستوى تهديدات تنظيم ولاية سيناء وخطورته.

ظهر هذا في غلق عدد من المحطات الصغيرة للمراقبة عن بعد، بطول الشريط الحدودي، فضلًا عن إجلاء عدد من القوات الأمريكية من موقع في شمال سيناء، وكما صرح مسؤولون في البنتاجون لشبكة «سي إن إن» منذ أيام قليلة، فإن وزارة الدفاع تدرس بجدية إجلاء جميع القوات الأمريكية، المتمركزة في منطقة الجورة، إلى جنوب سيناء بعيدًا عن مناطق التوتر والخطر، الأمر الذي لم تعلق عليه السلطتان المصرية والإسرائيلية بأي شكل.
2- فى سبتمبر الماضى اعلن الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي، والفرنسي فرانسوا أولاند، اتفقا على إرساء صفقة الحاملتين على مصر، بثمن يوازي 1.06 مليار دولار، وبتمويل سعودي خليجي مشترك، تتحمل فيه المملكة النصيب الأكبر من الصفقة، على أن تتمركز إحدى الحاملتين في البحر الأحمر والأخرى في المتوسط، لتصبح مصر الدولة الأولى في الشرق الأوسط وإفريقيا المالكة لهذه الحاملة، التي تقوم بعمل قاعدة عمليات عسكرية أرضية كاملة، ولكن فى المياه العميقة .
3- تقع جزيرة تيران (80 كيلومترًا مربعًا) وشقيقتها الصغرى صنافير (33 كيلومترًا مربعًا)، على مدخل مضيق تيران، الذي يفصل بين خليج العقبة والبحر الأحمر، أو ما يمكن اعتباره المفتاح الرئيسي للخليج البحري، هاتان الجزيرتان تفصلان ما بين ثلاثة ممرات بحرية، أحدها ضحل لا يصلح للملاحة، بينما تمر السفن والتجارة الدولية من الممرين الآخرين. إذًا الجزيرتان ذاتا أهمية إستراتيجية بالغة لمصر وللسعودية، لكن الأهمية الأكبر لإسرائيل، التي تعتبر المضيق بمثابة شريان حياة لها، ولتواصلها مع إفريقيا والدول الآسيوية أيضًا.

download (1)
4-على مدار أكثر من خمسين عامًا، لم تُطالب السعودية، باستعادة جزيرتي تيران وصنافير، بالجدية الكافية، وهما الجزيرتان اللتان تقترب مساحتيهما من مساحة جُزر حنيش اليمنية، التي وضعت السعودية عينيها عليها طويلًا، حتى دانت لها السيطرة. ربما طالبت السعودية بالجزيرتين على هامش زيارات رسمية، أو في مُباحثات مغلقة مع الجانب المصري، لكنها لم تطالب بهما في المحافل الدولية،
5- التقارب الأمريكي الإيراني الحادث ببطء فضلًا عن رفع الولايات المتحدة قبضتها باستمرار عن التدخل شديد التأثير في الصراع السني الشيعي في المنطقة، بجناحيه الرئيسيين السعودية وإيران.
في سبيل هذا ومنذ ذلك الوقت، تحاول السعودية تكوين ما يطلق عليه «المحور السني المعتدل»، والساعية به لمواجهة هيمنة إيران المتصاعدة. هذا التحالف، الذي تمثل مصر إحدى واجهاته الأساسية،
في هذا الوقت أتت أيضًا زيارة سلمان بن عبد العزيز للقاهرة، وهي الأولى منذ توليه العرش، لتجلب معها استثمارات ضخمة للنظام المصري الحاكم، الذي يعاني تراجعًا على كل المستويات، من ضمن هذه الاستثمارات، وبحسب ما أورد موقع «ديبكا» الاستخباراتي الإسرائيلي، عن طريق مصادر عسكرية واستخباراتية، مبلغًا يقدر بـ1.5 مليار دولار، وضع تحت بند «تنمية سيناء».

يكمل الموقع في تقريره، موضحًا أن مليار دولار من المبلغ، سيتم تخصيصها لمحاولة استمالة 13 شيخًا من زعماء قبائل شبه جزيرة سيناء، والذين يساعدون تنظيم ولاية سيناء بالعتاد والمقاتلين والإيواء، فضلًا عن ذهاب جزء من المبلغ أيضًا إلى رفع كفاءة القوات المصرية، العاملة في سيناء من الناحية التكنولوجية، وشراء معدات إلكترونية بالغة الحداثة، تساعدها في السيطرة على الأوضاع هناك في مواجهة التنظيم، ما يعنيه كل ذلك من رؤية المملكة لخطر تنظيم ولاية سيناء المتجاوز للحدود المصرية.

إذًا يبدو المحور الأمني الإقليمي الجديد ناجحًا، في تكونه البطيء والمنتظم، حتى الآن، تقارب سعودي مصري يتمثل في مؤازرة المملكة لاقتصاد القاهرة، فضلًا عن تمويل صفقات هامة للبحرية المصرية لتلعب دورًا أكثر فاعلية بكثير في البحر الأحمر، المنطقة الأهم حاليًا في الشرق الأوسط، والتدخل في الوضع السينائي بالطبع، وتقارب مصري حمساوي برعاية سعودية لخلع حماس من تأييد طهران أو التحالف معها، وتقارب سعودي إسرائيلي في الأفق، سيوثق رسميًّا إن وافق الكنيست الإسرائيلي على تعديل الاتفاقية التاريخية وضم المملكة لها، تقاربات تشكل مشهدًا قد يبدو واضحًا للناظر المدقق، عناصره مثلث أمني جديد من نوعه سيلعب الدور الأمريكي السابق كشرطي المنطقة..

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *